أبي منصور الماتريدي
618
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
النفس لا تتلذذ بالتناول من كل حلال ، ولكن إنما تطيب بما هو لها ألذ وأوفق « 1 » . والله أعلم . وعلى ذلك قوله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ . . . الآيات [ الأعراف : 32 - 33 ] . فيكون كأنه الذي في الأرض حلالا وحراما ، ثم فما حل طيب دون ما حرم . فأمر بأكل ما طاب من ذلك إذا قدر عليه ؛ لأنه على قدر طيبه يعظم محله في القلب ، وعلى ذلك يرغب نفسه بالشكر لمن أنعم به عليه ، والتعظيم لمن أكرمه بالذي طابت له به النفس . والله أعلم . واختلف في قوله : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ . قيل « 2 » : آثار الشيطان . وقيل : وساوس الشيطان . وقيل : سبل الشيطان ؛ كقوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] . فهو يرجع إلى واحد . وقوله : إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، وذكر في موضع آخر ، وسماه وليّا بقوله : أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [ البقرة : 257 ] . فالوجه فيه أنه يريهم في الظاهر الموالاة ولكنه يريد في الباطن إهلاكهم ، فإذا كان كذلك فهو في الحقيقة عدو . وجائز أن يكون أَوْلِياؤُهُمُ [ البقرة : 257 ] أي هو أولى بهم إذ عملوا ما عملوا بأمره ، أو أولياؤهم بما وافقوهم « 3 » في الفعل ، وشاركوهم في الأمر « 4 » ، وكانوا في الحقيقة لهم أعداء ، إذ ذلك هلاكهم . ولا قوة إلا بالله . وقوله : إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [ النساء : 76 ] ؛ لأنه يوسوس ويدعو فإن أطاعه - وإلا ليس له عليه سلطان سوى ذلك - فهو ضعيف ؛ لأن من لا ينفذ على رعيته سوى قوله فهو ضعيف ، يوصف بالضعف - والله أعلم - ويكون ضعيفا على من يتأمل مكايده ويتحفظ أحواله . وقوله : إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ . قيل : يحتمل : أن يكون السوء هو الفحشاء ، والفحشاء هو السوء . لما أن كل واحد
--> ( 1 ) في أ : وأرق . ( 2 ) قاله البغوي في تفسيره ( 1 / 138 ) . ( 3 ) في ب : والوهم . ( 4 ) في أ : الشر .